الحارث المحاسبي
80
الرعاية لحقوق الله
فمن أطهر من هذا قلبا ؟ أو من أولى بالمعونة والتوفيق ممن لم يركب الذنوب عند بلوغه ؟ ونشأ على طاعة ربّه وعبادته ، واعتاد القيام بحقّه ، ورعاية حقوق اللّه عزّ وجلّ عليه خفيفة لطول عادته للقيام بها ، وتركه الركون إلى أضدادها ، قليل مكابدته ومجاهدته ، طويل باللّه عزّ وجلّ شغله واشتغاله . وآخر تائب من بعد صبوته ، وراجع إلى اللّه سبحانه عن جهالته ، ونادم على ما سلف من ذنوبه في أيامه ، قد أعطاه العزم ألا يعود إلى تضييع شئ من فرضه ، ولا معاودة شئ مما سلف من ذنوبه ، والنفس منه تنازعه إلى عادتها ، لترده برغبتها إلى لذتها ، وهو يقمعها ويجاهدها ، ويخوفها عواقب ما كان منها ، وعدوّه يذكرها ما فاتها ، ويدعوها إلى ما تركت من شهواتها ، وهو يذكّرها قبيح ما كان منها ، ويعظم منّة اللّه عزّ وجلّ عليها بنقلتها عما يسخط به ربّها عليها ، فما لبث إلّا قليلا - إن صدق اللّه عزّ وجل في مجاهدته ، وأمسك نفسه عن الشهوات التي تنقض عزمه - حتى يمده اللّه عزّ وجلّ بمعونته ، فيسهل عليه سبيل الطاعة كما ضمن لمن أناب إليه ، فقال عزّ وجلّ : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ « 1 » وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا « 2 » . وقال عز وجل : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً . وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً . وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً « 3 » .
--> - وأخرج الديلمي 5 / 315 ( 8137 ) نحوه عن أنس بن مالك ، وعزا إليه صاحب الإتحافات السنية رقم ( 175 ) نحوه عن ابن عمر ، وعزا إليه برقم ( 374 ) نحوه عن طلحة . ( 1 ) محمد : 17 . ( 2 ) العنكبوت : 69 . ( 3 ) النساء : 66 - 68 .